أبي طالب المكي

254

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

تطرقه فيما بينهما آفة فيكون الله تعالى هو الأول فالآخر معه وعنده ، ثم يظهره بعد ذلك ولا يتظاهر به ، وأفضل النيات أن لا تريد بعملك إلَّا وجه الله تعالى وحده تعظيما لحق الربوبية وإلزاما للنفس وصف العبودية ، فإن لم يكن هذا المقام عن مشاهدة وجه ذي الجلال والإكرام فمشاهدة ما رغب فيه وشوق إليه من الآخرة عن مقام الرجاء . ولا ينبغي للعبد أن يدخل في شيء حتى يعلم علمه فيكون داخلا في علم يعلم مثله ، لأن لله سبحانه وتعالى في كل شيء حكما . فما علم من ذلك حمد الله تعالى عليه وعمله ، وما جهل سأل عنه من هو أعلم به ، وما أشكل عليه أمسك عنه حتى يستبين له وجهه فيقدم عليه أو يتركه ، وليكن ما تحرك فيه أو سكن عنه أو توقف عن الإقدام عليه ابتغاء مرضاة الله تعالى تقريبا إليه لأجل الله تعالى ، فهذا أعلى النيات وهو غاية الإخلاص . ومن أراد بأعماله ما عند الله تعالى من ثواب الآخرة من حظوظ نفسه ومعاني شهواته ولذته من النعيم في الجنان ، واتخاذ الحور الحسان ، مما وصف الله تعالى وندب ، لم يقدح ذلك في إخلاصه ولم يغير صحة نيته من قبل أنّ الله تعالى مدحه ورغب فيه ووصفه ، وكان ذلك مزيد مثله ، إلَّا أنّ هذا نقص في مقام المحبين وعيب عندهم كعيب من عمل لعاجل حظه من دنياه ، وهو شرك في إخلاص الموحدين الذي اختصوا بالعبودية ، فعتقوا من أسر الهوى بالحرية ، فلم يسترقهم سوى الوحدانية لما شهدوا من خالص الربوبية ، وإخلاص العبودية للربوبية أشد من إخلاص المعاملة ضرورة . إلَّا أنّ من رزق المقام منها دخل بحقيقة لإخلاص المعاملة ضرورة ، فلا ينقيه ولا يصفيه عمل ولا مجاهدة ، فكانوا مخلصين ، وهذا مقام المحبين ، وإنما أتعب المريدين بالتنقية والتصفية للمعاملة لما بقي عليهم من الشرك الخفي والشهوة الخفية ، كما أتعب خدام الدنيا بالجمع لها لما استرقهم من الهوى فأما الأحرار فهم من خدمة الخلق برآء ، وهذا يذهب الإخلاص ويفسد النية ويدخل الانتقاص . وما تلف له من شيء أو ظلم من حقه فلينو بذلك لذخر عند الله تعالى وليجعله في سبيل الله بحسن ظنه بالله تعالى وصدق يقينه فإن له من ذلك ما نوى . حدثونا عن رجل رؤي بعد وفاته فسئل منه كيف رأيت أعمالك ؟ فقال كل شيء عملته لله تعالى وجدته . حتى حبة رمان التقطتها من طريق ، وحتى هرة ماتت لنا ، رأيت ذلك كله في كفة الحسنات . قال : وكان في قلنسوتي خيط من حرير فرأيته في كفة السيّئات . قال : وكان قد نفق لي حمار قيمته مائة دينار فما رأيت له ثوابا . فقلت : موت سنور في الحسنات وهذا حمار قيمته مائة دينار ولا أدري له ثوابا ؟ فقيل : إنه وجّه حيث بعثت به لأنك قلت لما قيل لك مات الحمار فقلت : في لعنة الله تعالى . أما بطل أجرك ؟